القصة الأولى
يزيد بن مرشد...عينه لا تجف من الدموع
عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال: قلتُ ليزيد بن مرشد: مالي لا أرى عيناكم تجفان من الدمع؟
قال: وما سؤالكَ عن هذا؟
قلتُ: عسى أن ينفعني الله به.
قال: هو ما ترى، قلتُ: هكذا تكون في خلواتك؟
قال: والله إن ذلك ليعتريني وقد قرب مني طعامي فيحول بيني وبين أكله ، وإن ذلك ليعتريني وقد دنوتُ من أهلي فيحول بيني وبين ما أريد حتى تبكي أهلي لبكائي ويبكي صبياننا وما يدرون ما يبكينا ، وحتى تقول زوجتي : يا ويحها ، ماذا خصَّت به من نساء المسلمين من الحزن معك ، ما ينفعني معك عيش ، ولا تقرَّ عيني بما تقرُّ النساء مع أزواجهن .
قلتُ: يا أخي ما الذي أحوجك؟
قال: والله يا أخي لو أن الله تعالى لم يتواعدني إن أنا عصيته إلا أن يحبسني في حمام لكنتُ حريًّا أن لا تجف لي دمعة ، فكيف وقد تواعدني أن يسجنني في النار.
******
القصّة الثانية
أبو سليمان الدارانيّ .... حقٌّ لي أن أبكي
قال أحمد بن أبي الحواري: دخلتُ على أبي سليمان الدَّارانيّ فوجدتهُ يبكي .
فقلتُ له: وما يبكيكَ يا سيِّدي؟
فقال لي: يا أحمد إن أهل المحبَّةِ إذا جنَّ الليل عليهم افترشوا أقدامهم فدموعهم تجري على خدودهم بين راكعٍ وساجد، فإذا كانوا كذلك أشرف المولى جلَّ جلاله عليهم ونادى: يا جبريل بعينيَّ من تلذّذ بكلامي واستراحَ إلى مناجاتي، وإني لمُطلعٌ عليهم أسمع كلامهم وأرى حنينهم وبكاءهم، فنادَ بهم يا جبريل وقُل لهم: ما هذا الجزع الذي أراه بكم هل أخبركم مخبر أن حبيباً يعذِّبُ أحبابه في النار؟! لا يليق بعبدٍ ذميمٍ فكيفَ بالملكِ الكريم؟!
فبعزَّتي أقسمتُ لأجعلنَّ هديتي لهم إذا وردوا عليَّ يوم القيامة أن أكشف لهم عن وجهيَ الكريم، ثم أنظرُ إليهم وينظرون إليّ.
أفتلومُني يا أحمد إن بكيتُ عن تخلُّفي عن هؤلاء القوم.
*******
القصَّة الثالثة
جعفر الصَّادق ... اذهب أنتَ حرّ
حُكيَ أن غلاماً لجعفر الصّادق - رحمه الله - سكبَ على يده الماء في الطشت ، فطار الماء على ثوبه ، فنظر إليه جعفر نظرةً مُنكرة ، فقال العبد: يا مولاي ’’ والكاظمين الغيظ‘‘ ، قال: كظمتُ غيظي.
قال الغلام: ’’ والعافين عن النَّاس‘‘. قال: عفوت عنك.
قال الغلام:’’ والله يُحبُّ المُحسنين‘‘. قال: اذهب ، أنتَ حرٌّ لوجه الله تعالى ، ولكَ من مالي ألف دينار.
********
القصَّة الرَّابعة
أويس القُرنيّ ... ينامُ غفلةً
قال الربيع بن خثيم: أتيت أويساً القرنيّ، فوجدته قد صلى الصُّبح وقعد ، فقلت : لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة قام فصلَّى الظُّهر ، فلما صلى الظهر صلى العصر ، فلمى صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب ،فلما صلى المغرب صلى إلى العِشاء ، فلمَّا صلى العشاء ، صلى إلى الصُّبح ،فلمَّا صلى الصُّبح جلس فأخذته عينه ، ثمَّ انتبه فسمعته يقول: (اللهم إني أعوذ بكَ من عينٍ نوَّامة ، وبطنٍ لا تشبع).
***********
القصّة الخامسة
بئـــــــــس العبيدِ أنتم ...
قال عبد الواحد بن زيد: ركبتُ البحر فعصفت بنا ريحٌ دفعتنا إلى جزيرة من جزر البحر، فطلعنا إليها وإذا نحن برجلٍ قد عكف على صنمٍ يعبُدُه ، فقلنا له: ما معنا في المركب من يعمل مثل هذا ، قال: فأنتم لمن تعبدون؟؟؟
قلنا: الذي في السَّماء عرشُهُ وفي الأرضِ سُلطانه، قال: فكيف علمتم ذلك؟؟
قلنا: أرسلَ إلينا رسولاً بالمُعجزات الظَّاهرة فأخبرنا بذلك ، قال: فما فعل برسولكم؟؟؟؟؟؟
قُلنا: لمّا أدَّى الرِّسالة قبضه الله إليه ، قال: أفما ترك علامة عندكم؟
قُلنا: تركَ فينا كتابُ الله سبحانه وتعالى، قال: أروني إيَّاه ، فأتيناه بمُصحف ، قال: ما أُحسِن قراءته ، فقرأنا عليه منه شيئاً، فبكى وقال: ينبغي لمن هذا كلامه أن لا يُعصى ، فأسلم وأحسن إسلامه ، قال: ثم سألنا أن نحمله في المركب ، فحملناه وعلَّمناه سوَراً من القرآن، فلمَّا جنَّ عليه الليل وأخذنا مضاجعنا لننام، فقال: يا قوم هذا الذي دللتموني عليه ينام؟؟؟
قلنا: هو حيٌّ قيوم لا تأخذه سنةٌ ولا نوم ، فقال: إن من سوء الأدب نوم العبد بين يدي سيِّده، ثم وثبَ قائماً فلم يزل قائماً باكياً حتى أصبح.
قال: فلمَّا قدمنا عبادان ، قلتُ لأصحابي: هذا الرجل غريب ، حديث عهد بالإسلام ومن المصلحة أن نجمع له شيئاً ، ففعلوا ومددناه إليه ، فقال: ما هذا؟!!
قلنا له: نفقة ننفقها عليك ، فقال: سُبحان الله ، دللتموني على طريق لم تعرفوه .
أنا كنتُ في جزيرة من جزر البحر أعبُد غيره ولم يضيعني ، فكيف يُضيُّعني وأنا أعبده وهو الخالق الرزَّاق؟
ثم مضى وتركنا ، قال: فلمَّا كان بعد أيَّام أُخبرت أنه بموضع يعالج سكرات الموت ، فأتيناه هو بآخر رمق ، فسلَّمتُ عليه . وقلتُ: ألك حاجة؟؟
فقال لي: قد قضى حاجتي الذي جاء بكم إلى الجزيرة وأنا لا أعرفه، قال: فاستنت بإزائه وقصدتُ مؤانسته ساعة ، فغلبتني عيني فنمت ، فرأيت في مقابر عبادان روضة عليها قبة ، وتحت القبَّة سرير، وعلى السرير جارية لم أر أجمل منها ، وهي تقول: بالله عجِّل في جهازه ، فقد طال شوقي إليه ، فانتبهت فوجدته قد مات فغسلته وكفّنته ، فلمَّا كان الليل نمت ، فرأيته وهو في هيئة حسنة والجارية على السرير تحت القبة وهو إلى جانبها يكرر هذه الآية:
’’ سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار‘‘.
********
القصَّة السَّادسة
أبو حنيـــفة .......وخـشــوعه
قال يزيد بن الكُميت:
كان أبو حُنيفة - رحمه الله - شديد الخوف من الله تعالى فقرأ بنا علي بن الحسين المؤذن ليلة في صلاة العشاء الآخرة سورة ( إذا زلزلت ) وأبو حنيفة خلفه ، فلمَّا قضى الصلاةوخرج النَّاس ، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالسٌ يتذكَّر ويتنفَّس ، فقلت: أقوم ، لا يشتغل قلبه بي.
فلمَّا خرجت تركت القنديل ولم يكن فيـه إلا زيت قليل ، فجئتُ وقد طلع الفجر ، وهو قائم ، وقد أخذ بلحية نفسه ، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرَّةٍ خيراً ، ويامن يجزي بمثقال ذرَّةٍ شرا، أجر النعمان عبدك من النَّار ، ومما يقرب منها من السوء ، وأدخله في سعة رحمتك.
قال: فأذنت ، وإذا القنديل يزهر ، وهو قائم ، فلمَّا دخلت قال لي:
تريد أن تأخذ القنديل ؟ قلت: قد أذَّنت لصلاة الغداة.
فقال: اكتم عليَّ ما رأيت.
وركع ركعتين ، وجلس حتى أقمت الصلاة ، وصلى معنا الغُداة على وضوء أول الليل.
*********
القصّة السَّابعة
ســــفينة ...... وأبو الحارث
قال سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ركبتُ البحر ،فانكسرت سفينتي التي كنت فيها ،
فركبت لوحاً من ألواحها ، فطرحني اللـــوح في أجمة فيها الأسد ، فأقبل إليَّ يريدني
فقلت: يا أبا الحارث - كنية الأسد - أنا موى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فطأطأ رأسه
وأقبل إلي ، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ، ووضعني على الطريق وهمهم ،
فننته يودعني ، فكــان ذلك آخر عهدي به.
********