رجل وثور تحــــت رجــل يمينــه
والنســر للأخــرى وليث مرصـد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (صدق). فقال:
والشمس تطلع كل آخر ليلة
حمراء مطلع لونها متورد
تأبى فلا تبدو لنـــا فــى رسلهـــا
إلا مـعــذبــــــة وإلا تـجــلـــــد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (صدق)، فإنه حديث صحيح الإسناد، رجاله ثقات. وهو يقتضى أن حملة العرش اليوم أربعة، فيعارضه حديث الأوعال. اللهم إلا أن يقال: إن إثبات هؤلاء الأربعة على هذه الصفات لا ينفى ما عداهم، والله أعلم.
ومن شعر أمية بن أبى الصلت فى العرش قوله:
مجدوا الله فهو للمجد أهل
ربنا فى السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالى الذى بهر النا
س وسوى فوق السماء سريرا
شرجعـــا لا ينالــه بصـــر العيـــ
ـن تــرى حولـــه الملائك صــورا
صور: جمع أصور. وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو، والشرجع: هو العالى المنيف، والسرير: هو العرش فى اللغة.
ومن شعر عبد الله بن رواحة، رضى الله عنه، الذى عرض به عن القراءة، لامرأته حين اتهمته بجاريته:
شهدت بأن وعد الله حق
وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف
وفوق العرش رب العالمينا
وتحملــــــه ملائكــــةٌ كــــــرامٌ
ملائكــــة الإلــــــه مســومينـــا
ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الأئمة.
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنى أبى، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (أُذن لى أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل، من حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام). ورواه ابن أبى عاصم، ولفظه: (محقق الطير مسيرة سبعمائة عام
وأما الكرسى
فروى ابن جرير من طريق جويبر، وهو ضعيف، عن الحسن البصرى: أنه كان يقول: الكرسى هو العرش. وهذا لا يصح عن الحسن، بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين: أنه غيره. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير، أنهما قالا فى قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} أى: علمه. والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم فى مستدركه. وقال: إنه على شرط الشيخين، ولم يخرجاه من طريق سفيان الثورى، عن عمار الدهنى، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: الكرسى موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل. وقد رواه شجاع بن مخلد الفلاس فى تفسيره، عن أبى عاصم النبيل، عن الثورى، فجعله مرفوعًا. والصواب أنه موقوف على ابن عباس.
وحكاه ابن جرير عن أبى موسى الأشعرى، والضحاك بن مزاحم، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير، ومسلم البطين. وقال السدى عن أبى مالك: الكرسى تحت العرش. وقال السدى: السماوات والأرض فى جوف الكرسى، والكرسى بين يدى العرش. وروى ابن جرير وابن أبى حاتم، من طريق الضحاك عن ابن عباس، أنه قال: لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع، بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن فى سعة الكرسى، إلا بمنزلة الحلقة فى المفازة.
وقال ابن جرير: حدثنى يونس، حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثنى أبى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما السماوات السبع فى الكرسى، إلا كدراهم سبعة، ألقيت فى ترس). قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما الكرسى فى العرش إلا كحلقة من حديد أُلقيت بين ظهرى فلاة من الأرض). أول الحديث مرسل. وعن أبى ذر منقطع. وقد روى عنه من طريق أخرى موصولاً، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه فى تفسيره: أخبرنا سليمان بن أحمد الطبرانى، أنبأنا عبد الله ابن وهيب المغربى، أنبأنا محمد ابن أبى سرى العسقلانى، أنبأنا محمد بن عبد الله التميمى، عن القاسم بن محمد الثقفى، عن أبى إدريس الخولانى، عن أبى ذر الغفارى، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكرسى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذى نفسى بيده، ما السماوات السبع والأرضون السبع، عند الكرسى، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسى، كفضل الفلاة على تلك الحلقة).
وقال ابن جرير فى تاريخه: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبى، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قوله: {وكان عرشه على الماء} على أى شىء كان الماء؟ قال على متن الريح. قال: والسماوات والأرضون، وكل ما فيهن من شىء تحيط بها البحار، ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل فيما قيل الكرسى، وروى عن وهب ابن منبه نحوه.
وفسر وهب الهيكل، فقال: شىء من أطراف السماوات، يحدق بالأرضين والبحار، كأطناب الفسطاط. وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة: أن الكرسى عبارة عن الفلك الثامن، الذى يسمونه فلك الكواكب الثوابت. وفيما زعموه نظر؛ لأنه قد ثبت أنه أعظم من السماوات السبع بشىء كثير، ورد الحديث المتقدم بإن نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة، وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك. فإن قال قائلهم: فنحن نعترف بذلك، ونسميه مع ذلك فلكًا، فنقول: الكرسى ليس فى اللغة عبارة عن الفلك، وإنما هو كما قال غير واحد من السلف: بين يدى العرش كالمرقاة إليه. ومثل هذا لا يكون فلكًا، وزعم أن الكواكب الثوابت مرصعة فيه، لا دليل لهم عليه. هذا مع اختلافهم فى ذلك أيضًا، كما هو مقرر فى كتبهم، والله أعلم
ذكر اللوح المحفوظ
قال الحافظ أبو القاسم الطبرانى: حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة، حدثنا منجاب ابن الحارث، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ليث، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه فى كل يوم ستون وثلثمائة لحظة، يخلق ويرزق، ويميت ويحيى، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء).
وقال إسحاق بن بشر: أخبرنى مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: (إن فى صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله، وصدق بوعده، واتبع رسله أدخله الجنة. قال: واللوح المحفوظ لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله فى حجر ملك)، وقال أنس بن مالك وغيره من السلف: اللوح المحفوظ فى جبهة إسرافيل. وقال مقاتل: هو عن يمين العرش