تتنوع الأمثال القرآنية وتتدرج طولا وقصرا، وتفصيلا وإجمالا ما بين القصص القرآني كما في سورة يوسف مرورا بالآيات محدودة العدد وانتهاء بآيات مفردة وأجزاء من آيات اتخذها المسلمون نماذج وحكما مفردة تجري على ألسنتهم مجرى الأمثال، ويذكرونها ويتذكرونها حسب مقتضى الحال.
ومن الجمل القرآنية المشهورة والمتداولة بين عامة المسلمين ممن يحفظون القرآن أو لا يحفظونه، حتى الأميين منهم قوله سبحانه وتعالى:
“وما على الرسول إلا البلاغ” (النور: 54)، “أليس الصبح بقريب” (هود: 81)، “الآن حصحص الحق” (يوسف: 51)، “قضى الأمر الذي فيه تستفتيان” (يوسف: 41)، “ولا ينبئك مثل خبير” (فاطر: 14)، “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” (البقرة: 286)، “كل ح** بما لديهم فرحون” (المؤمنون: 53)، “إنما أنت مذكر” (الغاشية: 21)، “فاعتبروا يا أولي الأبصار” (الحشر: 2)، “يحسبون كل صيحة عليهم” (المنافقون: 4)، “هم العدو فاحذرهم” (المنافقون: 4)، “وأما بنعمة ربك فحدث” (الضحى: 11)، “لكم دينكم ولي دين” (الكافرون: 6)، “ولا تزر وازرة وزر أخرى” (الأنعام: 164)، “جاء الحق وزهق الباطل” (الإسراء:81)، “إن الباطل كان زهوقا” (الإسراء: 81)، “لا تعتذروا اليوم” (التحريم: 7)، “إن بطش ربك لشديد” (البروج: 12)، “فذكر إن نفعت الذكرى” (الأعلى: 9)، “إن ربك لبالمرصاد” (الفجر: 14)، “إن مع العسر يسرا” (الشرح: 6)، “إن الله مع الصابرين” (البقرة:153)، “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (البقرة: 195)، “قال بلى ولكن ليطمئن قلبي” (البقرة: 260)، “ليس عليك هداهم” (البقرة: 272)، “يؤتي الحكمة من يشاء” (البقرة 269)، “فنظرة إلى ميسرة” (البقرة: 280)، “وليس الذكر كالأنثى” (آل عمران: 36)، “وتلك الأيام نداولها بين الناس” (آل عمران: 140)، “وخُلق الإنسان ضعيفا” (النساء: 28)، “الرجال قوامون على النساء” (النساء: 34)، “لا يستوي الخبيث والطيب” (المائدة: 100)، “وإن تعودوا نعد” (الأنفال: 19)، “ويمكرون ويمكر الله” (الأنفال: 30)، “لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” (التوبة: 51)، “فصبرٌ جميل” (يوسف: 18)، “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (الرعد: 28)، “المال والبنون زينة الحياة الدنيا” (الكهف: 46)، و”كان الإنسان أكثر شيء جدلاً” (الكهف: 54)، “وقل رب زدني علما” (طه: 114) “وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها” (الشورى: 40)، “سيماهم في وجوههم” (الفتح: 29)، “تلك إذن قسمة ضيزى” (النجم: 22)، “ذلك مبلغهم من العلم” (النجم: 30)، “كل يومٍ هوَ في شأن” (الرحمن: 29)، “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء” (الجمعة: 4)، “ولتعلمن نبأه بعد حين” (ص: 88)، “وأرض الله واسعة” (الزمر: 10)، “ما علمنا عليه من سوء” (يوسف: 51)، “ما على المحسنين من سبيل” (التوبة: 91).
وهذه كلها من الآيات الكريمة التي يحفظها المسلمون عن ظهر قلب، ويتذكرونها ويستحضرونها في مختلف المناسبات، وغيرها الكثير من آيات الكتاب الحكيم.
تدرج المثل القرآني
ويتدرج المثل القرآني ليحتل بضع آيات قليلة العدد تذكرنا أحيانا بحوادث رئيسية في حياة بعض الرسل، أو تلخص ما جرى لأمة من الأمم أو قوم في غابر الزمان، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة البروج “هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20)” وهكذا نستحضر ما حدث لفرعون وثمود كمثالين للذين كفروا وكيف أنهم لا مهرب لهم ولأمثالهم من عذاب الله وبطشه.
وتضيف إليه سورة الفجر ما حدث لعاد إرم في قوله تعالى: “ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14)” فنرى هنا بعض نواحي وصور قوة هؤلاء القوم وما وصلوا إليه من عظمة وجبروت ومع ذلك لم يعصمهم شيء من عذاب الله لهم.
وفي سورة القلم يضرب الحق تبارك وتعالى المثل بيونس عليه السلام وقلة صبره على قومه “فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (50)” تلخيص معجز موجز لما حدث من يونس عليه السلام وما حدث له من ابتلاء.
وتحفل سورة الأنبياء بقصص بعض رسل الله عليهم السلام، كل منهم في آيات قليلة العدد تبين لنا ما حدث له من إنكار قومه لدعوته وإيذائهم له وصبره عليهم وما صادفه من ابتلاء، وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح “أشدكم ابتلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل”.
أيوب والسيدة مريم
ويبتلي الله سبحانه وتعالى أيوب عليه السلام بالمرض وفقد الأموال والأهل والأصدقاء، ومع ذلك صبر راضيا بقضاء الله وقدره متوجها إلى الله وحده منيبا إليه، ويأتي ذكره في سورة الأنبياء كمثل للصبر الجميل على الابتلاء في آيتين “وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84)”. ويتبع الحق تبارك وتعالى هذا المثل بمثل آخر في الصبر “وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86)” ثم انظر بعد ذلك كيف يلخص القرآن الكريم حياة السيدة مريم وابنها عيسى عليهما السلام في آية واحدة في سورة الأنبياء “والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91)” حيث نستحضر في أذهاننا حياة السيدة مريم عليها السلام وما حدث لها، وحياة المسيح عيسى عليه السلام وما حدث له عند قراءة تلك الآية الكريمة.
نهاية قارون
وقد يعبر المثل القرآني عن موقف من المواقف أو المشاهد الإنسانية لبيان تفاعل الناس مع الأحداث والابتلاءات والفتن مميزا الطيب والخبيث في كل حاله.. فها هو مثلا قارون الذي يضرب به المثل في الثراء والعلم يعطيه الله من الأموال “ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة” فينسب ذلك كله إلى نفسه وعلمه مغترا متكبرا على غيره “قال إنما أوتيته على علم عندي” رافضا نصح الناصحين، فيخرج على قومه في موكبه العظيم وزينته المبهرة يحوطه غلمانه وخدمه وحرسه، فيغتر بذلك ضعاف النفوس قليلو الإيمان ويقولون “يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم” وهؤلاء كثيرون في كل زمان ومكان، لا يرون إلا شهوات الدنيا وزينتها ولا يعنيهم كيف يأتي المال ومن أي طريق يحصلون عليه ويرون أن غاية الإنسان هي الغنى والجاه والسلطان في الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون، ويقابلهم من الناس فئة الذين أتوا العلم، الناظرون إلى حقائق الأمور والذين لا تغرهم الدنيا بزينتها ولهوها القائلون لهم “ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا، ولا يلقاها إلا الصابرون” ويرى الجميع بأعينهم نهاية قارون حيث خسف الله به وبداره الأرض ولم ينفعه ماله وسلطانه وأعوانه، وانتهى من الوجود في لحظات واختفت داره وأمواله معه فلم يعثر عليه، ولا عليها، أحد حتى الآن، وينتهي السرد القرآني لقصة ذلك الطاغية بقوله تعالى: “تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين” (أواخر سورة القصص).
ويأتينا الحق تبارك وتعالى بمثل آخر في سورة الكهف، وذلك برجلين أحدهما أعطاه الله مالا وثمرا واولادا ونفرا، فإذا هو يتيه بذلك على صاحبه ويتعالى عليه وينسى فضل الله عليه قائلاً: “أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا” وينظر إلى جنتيه بتعالٍ وكبرٍ قائلاً: “ما أظن أن تبيد هذه أبدا” بل يشتط في جهله قائلاً: “وما أظن الساعة قائمة” ثم يراوده خيال الآخرة وعودته إلى الله فيظن أن ما هو فيه من مال وجاه دليل على رضا الله عليه وحبه له وإيثاره بذلك على غيره وأن الله لذلك أعد له خيرا من ذلك فيقول: “ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا” ناسيا أن الله يبتلي الناس بالخير كما يبتليهم بالشر وأن كل ذلك فتنة من فتن الحياة الدنيا، ويحاول صاحبه المؤمن أن يرده إلى الصواب ويذكره بأصله وخلقه من تراب ثم من نطفة وفضل الله عليه، وأن الأولى به أن يذكر نعمة الله عليه حين يرى ما هو فيه من خير فيقول “ما شاء الله لا قوة إلا بالله” وبأن الله يعطي ويأخذ، وينعم وينهي النعيم إن شاء ويزيله من الوجود “فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا” وقد كان “وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا، ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا” (الكهف)، وهكذا الحياة الدنيا وما فيها من عطاء ومتاع، لنصل إلى الغرض من ذلك المثل المعبر “هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عُقبا” (الكهف).
وهكذا يطلعنا المولى عز وجل على جانب من النفس الإنسانية بإعراضها عن الله عند الخير، وإقبالها على الله في الأزمات كما رأينا في آيات سورة الكهف وكما نرى في سورة فصلت “لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمةً منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رُجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا ما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50)”.
بحث ثانيالله سبحانه وتعالى “ليس كمثله شيء”، به تنير الظلمات، وبه تنير الافئدة والقلوب، وبه تنير العقول والألباب، ولذلك فقد ضرب لنا سبحانه وتعالى المثل لنوره، ولم يضرب المثل لذاته، تعالى سبحانه عن المثيل والشبيه.
يقول سبحانه وتعالى في سورة النور: “الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكات فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري. يوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور. يهدي الله لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم” (35).
النور لا يرى ولكن ترى به الأشياء، وحين سئل عليه الصلاة والسلام: هل رأيت ربك؟ قال: “نور أنَّى أراه”، وفي غياب النور يكون الظلام وتنعدم الرؤية، كما في قوله تعالى: “ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون” (البقرة: 17 18).
نور وضياء
وفي حياتنا الدنيا فإن النور يأتي من انعكاس الضوء على الأشياء، فالأشياء المشتعلة كالنار وغيرها يصدر عنها ضوء، وهذا الضوء يسقط على الأشياء فتمتص منه موجات تحددها الوان هذه الأشياء وتركيبها وتع** بقية الموجات على هيئة نور يصل الى اعيننا فنميز به ألوان وتفاصيل تلك الاشياء.. فالنور غير الضوء.
فالضوء يصدر عن الأجسام المشتعلة مصحوبا بحرارة وموجات كثيرة أخرى، وذلك مثل الشمس ومثل السراج والنار.
أما النور فيأتي من أجسام غير مضيئة بذاتها ولكن يصدر منها نتيجة سقوط الضوء عليها ولذلك لا تصحبه حرارة ملموسة، وذلك مثل القمر وكل الكواكب والاشياء غير المشتعلة، وانظر الى قوله تعالى في سورة نوح: “وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا”. (16). وفي سورة يونس: “هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا..” (5).
وهكذا يرتبط “الضياء” بالشمس المشتعلة بذاتها، ويرتبط (النور) بالقمر المعتم الذي لا نراه الا اذا سقط عليه ضوء الشمس. وبذلك يصل ضوء الشمس الى القمر، والى الأرض مخترقا جو السماء بما فيه من جزيئات كثيرة لغازات مختلفة وبخار ماء ودخان وغير ذلك حيث يصل الينا منه ما يصل بما فيه من حرارة ومن اشعاعات بعضها مفيد وبعضها ضار، كما يؤدي امتصاص موجات معينة من ضوء الشمس في طبقات الهواء المختلفة الى تكون اللون الازرق المميز للسماء في كل مكان على الأرض.
أما نور القمر فيصلنا صافيا هادئا لا حرارة فيه ولا ضرر منه على الأعين، وينع** نور القمر كذلك على الأشياء فنستطيع رؤيتها ليلا، أما اذا سقط ظل الأرض على القمر ومنع بذلك ضوء الشمس من الوصول اليه فإننا لن نرى القمر نفسه ويظلم الليل إلا من نجوم السماء البعيدة أبعادا خيالية عنا.
إعجاز بلاغي
هذا هو ما ندركه من النور في حياتنا الدنيا وما نعرفه عنه، أما نور الله عز وجل فهو نور ليس كمثله نور، ينير الابصار، وينير البصائر وينير القلوب والافئدة والعقول، وذلك أمر لا يمكن وصفه أو إدراكه. ولذلك يضرب له الحق تبارك وتعالى المثل بأمور نحسها ونشعر بها، وذلك لقصور حواسنا وقصور إدراكنا عن معرفة كثير من مخلوقات الله، فكيف بنوره عز وجل؟
“كمشكاة فيها مصباح”، يبدأ المثل بالمشكاة، والمشكاة عبارة عن تجويف في جدار ( نيش كما يقولون عنه) يوضع فيه مصباح أو تحفة أو أي شيء آخر. وله أشكال عدة، والمقصود هنا المشكاة المخصصة للمصباح حيث تحيطه جدران المشكاة من كل ناحية ما عدا جانباً واحداً يخرج منه الضوء، والمصباح بذلك يضيء المشكاة اضاءة قوية وينع** منها النور الى خارج المشكاة.
“المصباح في زجاجة” وذلك أن وضع المصباح في زجاجة يزيد بشكل كبير من قوة الاضاءة وانتشارها بع** ما لو ترك المصباح هكذا من دون زجاجة تحيط به من كل ناحية، وهذه هي الفكرة وراء استخدام الزجاجات حول مصادر الضوء سواء كان ذلك المصدر شمعة أو فتيلا مشتعلا أو سلكا كهربائيا متوهجا.. وبذلك تزيد الزجاجة من قوة اضاءة المشكاة الموضوع بها المصباح.
“الزجاجة كأنها كوكب دري”. وهنا يأتي نوع آخر من البلاغة والإعجاز. فالزجاجة هي التي كأنها كوكب. والكوكب لا يصدر ضوءا وإنما يع** ما يقع عليه من ضوء فيصدر نورا نرى به الكوكب.. وبذلك فإن الزجاجة يسقط عليها ضوء المصباح فتحيله نورا ينتشر في جنبات المشكاة، فالزجاجة هي التي كأنها كوكب وليس المصباح.. ثم ان الزجاجة لصفائها ونقائها كالكوكب الدري أي الفائق الصفاء والنقاء، لا شائبة فيه، من الدرة وهي الشيء النفيس الذي لا مثيل له ولا نظير لندرته.. وبذلك فالنور الخارج من الزجاجة نور نقي لا شائبة فيه ولا أثر لظلال شوائب.
“يوقد من شجرة مباركة”. ويعود الفعل (يوقد) هنا على المصباح، فهو الذي يوقد، ولا يعود على الزجاجة فالزجاجة لا توقد، كما أنه لا يقصد به (الكوكب الدري) فالكوكب لا يوقد ولا يصدر ضوءا ولا حرارة وإنما يستقبل الضوء ليمتص منه جزءا ويع** الباقي.
والوقود هنا من نوع خاص متميز، من شجرة مباركة من الخالق عز وجل وهي “زيتونة لا شرقية ولا غربية”، فإن أنقى أنواع الزيوت للمصابيح هو زيت الزيتون، وأجود أنواع الزيتون هو من مثل تلك الشجرة التي تستقبل اشعة الشمس طوال اليوم من الشروق وحتى الغروب، وبذلك تستمر عمليات الأيض الحيوية فيها بنشاط طوال اليوم منتجة بذلك اجود أنواع الزيتون وبالتالي أجود أنواع الزيت، “يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار” فقد بلغ ذلك الزيت درجة عالية من النقاء والصفاء والجودة حتى كأنه يكاد يضيء من دون حاجة الى نار لتشعله، فما بالك حينما تمسسه النار فيضيء ضوءا متميزا صافيا لا تشوبه شائبة.
آيات بينات
وهكذا تكتمل الصورة والمثل القرآني، فها هو المصباح يوقد بأجود أنواع الزيت، فيصدر عنه ضوء قوي صاف، ينع** على جزيئات زجاجة نادرة الصفاء والنقاء، فتتوهج وينتشر منها نور قوي ينتشر في كل اتجاه، وينع** على جنبات المشكاة فيضيء كل جزء فيها ولا يدع مكانا لظلام، وتستقبل العين النور من الزجاجة ومن والمشكاة المتلألئة الإنارة.. نور ونور.
هذا المثل القرآني البسيط المعبر المعجز لنور الله عز وجل، وذلك هو النور المادي الذي نرى به المشكاة والمصباح والزجاجة فلا تخطئه العين ولا تعيب عنها دقائق تلك الأشياء، ولكن نور الله ليس كمثله نور، فهو نور يهدي به الله من يشاء من عباده، ويعمي كثيراً من الناس عنه، لهم عيون ولكنهم فقدوا البصيرة، فهم معزلون عن نور الله، يعيشون في ظلال الكفر والنفاق، لا يؤمنون بالله، ولا يرون آيات الله المحيطة بهم في كل مكان وفي انفسهم فهم لا يبصرون.
فبنور الله نهتدي لله وملائكته وكتبه ورسله، وبنور الله نرى آيات الله بينات، وبنور الله ندرك حقائق الأمور ونسير على صراط الله المستقيم.
“والله بكل شيء عليم”
والله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم من يهتدي ومن لا يهتدي، يعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، فيهدي اليه سبحانه من يشاء من عباده، ممن يرى فيهم القابلية للهدى، فيبصرون بنوره ويهتدون بنوره ولا يقبلون إلا نوره سبحانه وتعالى.
ان شاء الـــه اكون افدتك
اخـــتك...حـــــوور...