السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحوار .. أهدافه وطرقه
الحوار بابسط تعريف له هو النقاش ، وبمعنى آخر هو تبادل الحديث أو سياقه من طرف واحد أو اكثر ليصل في النهاية الى التسليم بفكرة ، قد تكون تلك الفكرة من مبادرة فرد أو فئة ، وقد تكون الفكرة مزيج بين أفكار المتحاورين بعد الانتهاء منه .
وقد تكون فكرة الجدلية عند الفلاسفة ، تصب في ذلك المنحى ، حيث يقوم فرد أو فئة بطرح فكرة على فرد أو فئة ، فيقوم الفرد الأخير بطرح نقيضها ، وبعد الأخذ والعطاء وسوق الدلائل وتبيان أهمية تلك الفكرة أو نقيضها ، فانه يتولد نتاج جديد يدعى بالمُركب . ويصبح هذا المُركب ، فكرة جديدة للمتحاورين ، قد تم إقراره والتسليم به . وعندما يتم طرحه على أناس جدد يطرح على أنه فكرة، يضعوا له نقيض وهكذا حتى تتسم الأفكار بالحيوية .
والحوار يتشابه مع المعركة أو المباراة أنه في كل الحالات ، هناك طرفان ، يود كل منهما أن يؤكد النصر لطرفه . فكما ان المعركة تحتاج الى تعبئة عامة واستنفار شعبي من كل فئات الطرف المستعد للمعركة ، إذ لا بد ان يكون هناك دوافع لتلك المعركة ، حيث يقوم المكلفون بالتعبئة الجماهيرية ، بتبيان مخاطر العدو ، عندما ينتصر وكيف سيؤثر سلبا على المغلوب ، من هبوطه في حالة مباريات كرة القدم ، أو شيوع الفوضى و تهدم مؤسسات الشعب ، بحالة الهزيمة بالحرب .
ويكون هذا الجهد المتعلق برفع الهمم هو من باب التوجيه المعنوي العام ، ليهب كل مواطن بالتطوع في الانخراط بالجيش أو الدفاع المدني ، أو أي عمل يصب في شد أزر المقاتلين أبناء الوطن من أجل تحقيق النصر . لكنه يكون بلا قيمة كبيرة إذا كانت الاستعدادات الأخرى متدنية المستوى ، فبالحروب لا بد من جيش مجهز بسلاح جيد وانتشاره جيد وقد تم تدريب أفراده على استعمال السلاح في الظروف المختلفة ووفق احتمالات مختلفة وصعبة . وهذا ينطبق أيضا على مباريات كرة القدم فسوء اللاعبين و تدني مستوى لياقتهم ، لا يعوضهما تشجيع الجمهور الذي ما يلبث ان ينقلب على الفريق الذي كان يشجع ، عندما يخذله .
أظن أن تلك المقتربات للموضوع ، كان بها قليل من الزيادة ، وكان القارئ يتنبأ بما تؤول إليه المقالة . فاصبح الآن مهيأ لمعرفة وجه المقارنة السابقة ، مع موضوع الحوار .
هل للحوار أوقات معلومة :
أحيانا يدعى شخص ما ، بصفته الشخصية ، او بصفته المعنوية ، لحضور اجتماع يخص بلدة او مدينة او مهنة او عشيرة او قطر ، ويكون عنوان الدعوة من أجل بحث مسألة بعينها . وأحيانا يساق شخص الى حوار بمحض الصدفة ، كأن يركب بسيارة أو حضر وليمة ، او انتظر بصالون حلاقة أو عيادة طبيب ، ويكون عندها موضوع الحوار ، وليد لحظته ، وأحيانا هو يسوق نفسه لحضور حوار يختار عنوانه كما في الندوات التلفزيونية والإذاعية ، او مواقع الإنترنت ، وفي الحالات الأخيرة سيكون لها وقفة منفصلة .
هل للمشاركة في الحوار وقت معلوم؟
يستطيع من دعي لاجتماع او وضع بالصدفة في موضع المحاور ، أن يتنبأ بالقسط الذي سيناله في مدة الحوار الكاملة . فاذا كان اجتماع يضم مائة شخص فان الوقت الذي يعطى لمثل تلك الاجتماعات خصوصا اذا كانت من جلسة واحدة لا من عدة جلسات ، هو ساعتان ، وسيذهب ربع الوقت للاستهلال والختام ، فيبقى أمام المجتمعين تسعون دقيقة ، أي بمعدل دقيقة للشخص الواحد . فاذا كان الشخص المحاور فطنا عليه ان يحاول بمداخلته ان يقنع الآخرين بما لديه في دقيقة واحدة كمعدل وثلاث دقائق كحد أقصى ، وأن لا يسمح له بالكلام كاحتمال أخير .
أما لمسافر جلس في مقعد بطائرة ، فاراد فتح حوار مع من يجلس معه فعليه تقدير المدة التي ستستغرقها الرحلة واضعا نصب عينيه حصة من يحاوره ، وعدم بعث الملل في نفسه ، وهكذا فمعرفة وقت حصة المحاور شرط أساسي من شروط حصول نتيجة مفيدة من الحوار .
من هو الطرف الآخر في الحوار؟
أحيانا يتم الدخول على أناس ، قد تكون المعرفة بهم معدومة ، كأمكنة الانتظار في دوائر الدولة ، او في صالات مسافرين ، او في مستشفى عام ، عندها يكون الحوار ، محكوما بظرف عدم المعرفة .. فالحديث بالسياسة والدين و أمور الحريات العامة يستوجب الحذر .. و الحديث عن نية السفر و المشاريع الخاصة أيضا يستوجب الحذر . المبالغة في المساهمة بالحديث ، لا تكون فكرة جيدة ، بل المشاركة فيه بحجم البرقيات . حتى التعارف في مثل تلك المناسبات لا يكون مفيدا .
في حالة معرفة الطرف الآخر بالحوار يستوجب المحاور الانتباه لما يلي :
1ـ إتمام معرفة الجميع ، فاذا كانوا مندوبين لجماعات أو شركات أو أحزاب أو هيئات معينة ، على المحاور أن يهتم بمعرفة كل الأطراف .
2ـ من المفيد عدم المبادرة بالحديث ، في حالة عدم المعرفة المسبقة بالموجودين ، لأخذ عينة من ردات فعل الآخرين تجاه المتكلم الأول والثاني ، وعندها يستطيع المحاور أن يرسم خريطة التحالفات الراهنة بين المتحاورين .
3ـ الحذر من بدء الحوار بنكتة .
4ـ اذا كان المتحاورون لا يبدو عليهم صفة التحالف ، على المحاور أن يحاول كسب اكثر من نصفهم قبل البدء بالحوار ، أو تحييد أكثر من النصف ، وذلك بالابتسام تأييدا لأحدهم ، أو السؤال عن أحواله ، وعليه أن يتنبأ بمن سيكون خصمه الأصعب ، فيكون بذلك قد مهد لتحييد من جاملهم في البداية .
5ـ اذا كان للاجتماع الذي من أجله يدار الحوار ، على القادم للحوار ان يتسلح بجاهزية كاملة ، كأن يطلع على أوراق عمل الاجتماع ، ويحضر للنقاط التي سيثيرها بالاطلاع على بيانات ومعلومات تفيده في تدعيم حججه ، عندها سيضمن سير الحوار بشكل جيد .
ما هي موضوعات الحوار؟
من الأفضل للمحاور أن يحاور بموضوع متمكن منه ، وان كان الموضوع المطروح متفق عليه مسبقا ، فعليه الانتباه من حرف الموضوع عن محوره الأساس ليجر الى زاوية او زوايا ، يكون المحاور الآخر متمكنا منها بصورة أكثر . فان فعل المحاور الآخر فعلى من يحاوره أن يذكره بأساس الحوار .
أما اذا كان الحوار عرضي ، آت في مناسبة اجتماعية ما ، وانبرى المحاور لمتكلم آخر يبشر بفكرة تسيء لمن يود الحوار ، او لفكره ، وعادة ما يقوم بها الليبراليون الذين يستغلون مكانتهم الاجتماعية كأستاذ جامعي مفتون بأمريكا أو موظف حكومي في دولة تدور بفلك أمريكا ، مستغلا حفاوة المضيفين له . فعلى المحاور أن يحشد كل ما لديه من إمكانات ، ويذكر نقطة أو نقاط ضعف ذلك الليبرالي ، مع الحرص على عدم إهانته مما يسبب إحراجا للمضيف ، فعليه أن يبقي ذكر اللقب والمقام ، مع التركيز على حصر ذلك الليبرالي في زوايا ضيقة دون أن يتفقد أثر ذلك عليه ، بسؤاله للحضور ، بل يكتفي بسوق حججه هادئا مهذبا وصارما بنفس الوقت ، ويترك للحضور تقييم ما يطرح أمامهم .
ليحذر المحاور الوطني ، من الهجوم أو الدفاع عن شخص بعينه . ولينتبه من ترك المجال لخصمه أن يشتم أحدا ، فهذا يوقعه بحرج ويستفزه ، مما يجعل الفرصة لخصمه أن يستغل حساسية الموقف وتسجيل نقاط فوز غير محسوبة .